لم تعد جودة الرعاية الصحية اليوم تُقاس بمهارة الإجراء أو دقة التشخيص فقط، بل أصبحت تجربة متكاملة تبدأ من أول تواصل إنساني مع المريض، وتمتد إلى طريقة الشرح، وأسلوب اتخاذ القرار، ومدى شعور الأسرة بالفهم والاحترام. وفي طب أسنان الأطفال على وجه الخصوص، لا يكون الطفل وحده محور الرعاية، بل الأسرة كاملة بما تحمله من مخاوف وتجارب سابقة وتوقعات.

هذا التحول في فهم الرعاية الصحية لم يأتِ من باب التأمل فقط، بل تدعمه سنوات من البحث العلمي التي أثبتت أن التواصل الإنساني والشراكة في القرار عنصران أساسيان في نجاح العلاج.

تبدأ الممارسة المتمحورة حول المريض من الطبيب نفسه. فطريقة تفكير الطبيب، وخلفيته المهنية، وما يشعر بالارتياح لاستخدامه من تقنيات توجيه السلوك، كلها عوامل تؤثر مباشرة في أسلوب الرعاية. عندما يكون الطبيب واعيًا بقيمه وحدوده المهنية، يصبح أسلوبه أكثر ثباتًا ووضوحًا، وينعكس ذلك على ثقافة العيادة بأكملها، وهو ما يُعرف بهوية أو “علامة الممارسة”.

ولا يمكن فصل الطبيب عن فريقه. فالفريق الصحي هو أول من يتعامل مع الطفل ووالديه، وهو من يصنع الانطباع الأول. بعض أفراد الفريق يتميّزون بالمهارة السريرية، بينما يمتلك آخرون قدرة عالية على التواصل وتهدئة القلق. هذا التنوع لا يُعد نقطة ضعف، بل قوة حقيقية إذا أُحسن توظيفه، بحيث يوضع كل فرد في الدور الذي يناسب مهاراته.

غير أن جوهر التجربة العلاجية يبقى التواصل.

في دراسة تحليلية أجراها كولتر (Coulter, 2002)، قام الباحث بمراجعة أسباب الشكاوى والنزاعات القانونية في الرعاية الصحية، وخلص إلى أن السبب الأكثر شيوعًا لم يكن الخطأ الطبي نفسه، بل ضعف التواصل وعدم إشراك المريض أو ذويه في الفهم واتخاذ القرار. هذه النتيجة كانت نقطة تحول في طريقة نظر الأنظمة الصحية إلى مهارات التواصل، باعتبارها جزءًا من سلامة الممارسة وليس مجرد مهارة إضافية.

وفي السياق نفسه، أوضح موراديان وزملاؤه (Mouradian et al., 2003) أن مهارات التواصل والكفاءة الثقافية في طب الأسنان ليست مهارات فطرية، بل يجب تعليمها وتدريب الممارسين عليها بشكل منهجي، لما لها من أثر مباشر على التزام المرضى بالعلاج وجودة النتائج السريرية.

كما بيّن غولمان (Goleman, 2014) من خلال أبحاثه حول الذكاء العاطفي أن الوعي الذاتي، وفهم مشاعر الآخرين، والقدرة على إدارة الانفعالات، تُعد من السمات الأساسية للممارس الصحي الناجح، خاصة في بيئات العمل عالية الضغط مثل العيادات الطبية.

ولم يتوقف تأثير التواصل عند الجانب النفسي فقط، بل امتد إلى النتائج الطبية نفسها. ففي مراجعة علمية أجراها ها وزملاؤه (Ha et al., 2010)، درس الباحثون أساليب تواصل الأطباء مع المرضى، ووجدوا أن استخدام لغة بسيطة، وطرح أسئلة مفتوحة، والاستماع المتعاطف، يقلل من سوء الفهم والأخطاء الطبية بشكل ملحوظ.

وتؤكد هذه النتائج دراسة سريرية مهمة أجراها دل كانالي وزملاؤه (Del Canale et al., 2012)، حيث قارن الباحثون نتائج مرضى عالجهم أطباء أظهروا مستوى عالٍ من التعاطف بنتائج مرضى آخرين، ووجدوا أن المرضى الذين شعروا بتعاطف أطبائهم كانت لديهم مضاعفات أقل ونتائج علاجية أفضل، ما يوضح أن التعاطف ليس قيمة إنسانية فقط، بل عامل طبي مؤثر.

ومع انتشار الإنترنت وسهولة الوصول إلى المعلومات، يصل كثير من الأهالي اليوم إلى العيادة وهم يحملون معلومات مسبقة عن العلاج، بعضها صحيح وبعضها مضلل. هنا برز مفهوم اتخاذ القرار المشترك كحل علمي لهذه الإشكالية.

في نموذج وصفي قدّمه إلوين وزملاؤه (Elwyn et al., 2012)، أوضح الباحثون أن اتخاذ القرار يجب أن يكون عملية تدريجية تبدأ بعرض الخيارات العامة، ثم تضييقها إلى خيارات مناسبة للحالة، ثم الوصول إلى القرار النهائي بالشراكة بين الطبيب والأسرة، بدل الاعتماد على الفرض أو التوجيه الأحادي.

ولتطبيق هذا المفهوم عمليًا، درست أبحاث حديثة دور ما يُعرف بـ أدوات دعم القرار. ففي دراسة أجراها هولين وزملاؤه (Hulin et al., 2017)، استخدم الباحثون أدوات تحتوي على شروحات مكتوبة ورسوم ومخططات مبسطة، ووجدوا أنها تساعد الأهل على فهم الخيارات العلاجية، وموازنة الفوائد والمخاطر بشكل واقعي، بدل اتخاذ القرار بدافع القلق أو الخوف.

كما أظهرت دراسة باركر وزملاؤه (Parker et al., 2017) أن استخدام أدوات دعم القرار يرتبط بارتفاع رضا المرضى وأولياء الأمور، وزيادة التزامهم بالخطة العلاجية، حتى في الحالات المعقدة التي تتطلب تدخلات متقدمة.

وتتوافق هذه النتائج مع ما توصل إليه ساي وزملاؤه (Say et al., 2006)، حيث راجع الباحثون عددًا من الدراسات التي قارنت بين الرعاية التقليدية والرعاية القائمة على اتخاذ القرار المشترك، وخلصوا إلى أن هذا النهج يحسّن جودة القرار الطبي، ويرفع رضا المرضى، ويقلل من التوتر المصاحب للعلاج.

كل هذه الأدلة تؤكد أن الممارسة المتمحورة حول المريض ليست شعارًا إنسانيًا فقط، بل نموذجًا علميًا مدعومًا بالأبحاث. نموذج يقوم على التواصل الواضح، والتعاطف، واحترام القيم الفردية، والشراكة في القرار، دون التفريط بالمعايير العلمية أو سلامة الرعاية.

وعندما تُبنى العيادة على هذه الأسس، تتحول زيارة طبيب الأسنان من تجربة مقلقة إلى تجربة مفهومة وآمنة، ويصبح العلاج أكثر نجاحًا واستدامة للطفل وأسرته.