كثيرًا ما أجلس في عيادتي، وأرى نظرات القلق في أعين الأمهات والآباء قبل أطفالهم. يقلقون من “ردة فعل” الصغير، ويخشون أن يتصرّف طفلهم بشكل غير لائق فيُحكم على تربيتهم. وقد يحدث ذلك لأي سبب؛ كنوبة بكاء، أو تمرد، أو عناد على كرسي الفحص. لكنني هنا لأقول لكم ما أؤمن به كطبيب أسنان أطفال: إن سلوك طفلك في العيادة ليس “هويته”، بل هو “لحظته” فحسب.
لماذا يتغيّر طفلك داخل العيادة؟
الطفل لا يدخل العيادة محمّلًا بخبراتنا وتجاربنا نحن الكبار، بل يدخل محمّلًا بفضولٍ يختلط بخوفٍ فطري من المجهول. يخبرنا العلم أن التطوّر عند الأطفال ليس مسارًا خطيًا يسير بالوتيرة نفسها لدى جميع الأطفال؛ فقد يكون طفلك بطلاً اجتماعيًا في المدرسة، لكنه يظهر أقل نضجًا في العيادة. وكما يشير جونسون (Johnson, 2012 — variability in child development / التباين في تطوّر الطفل): “التطوّر لا يحدث بمعدل ثابت، والتباين يقع داخل الطفل الواحد بقدر ما يقع بين طفل وآخر”.
لذا، حين يتوتّر طفلك، فهو لا يرفض العلاج “عنادًا”، بل لأن مخاوفه استنزفت طاقته الذهنية، فصار يظهر أقل كفاءة مما هو عليه في الواقع، كما أوضح زيمرمان وستانزبري (Zimmermann & Stansbury, 2003 — emotional regulation under stress / تنظيم الانفعال تحت الضغط). في تلك اللحظة، هو لا يحتاج إلى “ضغط”، بل يحتاج إلى “سند خارجي” يستمدّ منه الأمان.
فارق الـ 20%… الصبر هو مفتاحنا
في ممارستي المهنية، لا أنظر إلى عمر الطفل المكتوب في شهادة الميلاد بقدر ما أنظر إلى “عمره النفسي” وجاهزيته. فقد بيّنت الدراسات السريرية التي قدّمها رود وكيسلينغ (Rud & Kisling, 1973 — behavioral readiness in young children / الجاهزية السلوكية للأطفال الصغار) أن الأطفال في عمر الثالثة يحتاجون وقتًا أطول بنسبة 20% لتقبّل العلاج مقارنة بمن هم أكبر سنًا.
هذا يعني أن الاستعجال هو العدو الأول لبناء الثقة. لذلك، ستجدني في عيادتي لا أهتم فقط بترميم السن، بل بترميم الشعور؛ نأخذ وقتنا، نتحدّث بلغة الطفل، ونحترم وتيرته الخاصة في التأقلم.
طبع طفلك… بصمة لا ذنب لك فيها
يولد بعض الأطفال بمرونة عالية، بينما يولد آخرون بحساسية مفرطة تجاه الأصوات أو الروائح. وقد وصف هذا الاختلاف العالمان توماس وتشِس (Thomas & Chess, 1977 — temperament theory / نظرية الطبع)، حيث أوضحا أن الطبع الفطري هو نمط بيولوجي يولد به الطفل ويؤثر في طريقة استجابته للعالم من حوله. لذا، حين يجد طفلك صعوبة في التأقلم، فهذا ليس نتاج تدليل زائد أو تقصير تربوي منك، بل هو بصمة بيولوجية نحتاج نحن – كفريق معالج – أن نفهمها ونحتويها.
فلسفة العلاج: السيطرة للطفل
في طب أسنان الأطفال، نطبّق استراتيجيات مدروسة لتنظيم الانفعالات، كما شرحها غروس (Gross, 2002 — emotion regulation strategies / استراتيجيات تنظيم الانفعال). ومن أهم هذه الاستراتيجيات منح الطفل “حق الاختيار” في أمور بسيطة، مثل اختيار لون المرآة، أو النظارة الواقية، أو الفيلم الذي يشاهده أثناء العلاج. هذه التفاصيل ليست ترفًا، بل وسيلة لإعادة الإحساس بالسيطرة للطفل، مما يقلّل قلقه ويرفع مستوى تعاونه.
رسالتي
إن فهم سلوك الطفل من منظور علمي ونمائي ليس تبريرًا لتصرّفاته، بل هو عهد مهني وأخلاقي بين طبيب أسنان الأطفال والطفل لفهم خوفه قبل علاجه. كطبيب أسنان أطفال، أسعى ألا أقدّم علاجًا للأسنان فحسب، بل أن أبني علاقة ثقة تجعل من زيارة الطبيب ذكرى شجاعة يعتز بها طفلك. لأننا نؤمن أن بناء طفل واثق، أهم من إصلاح سنّ فقط.