تُعد دراسة سلوك الطفل في عيادة الأسنان علماً قائماً بذاته، يهدف إلى رفع إدراك الفريق الطبي وتزويدهم بمنهجيات واضحة للتقييم والإدارة. نستعرض هنا تفاصيل التصنيفات التاريخية والحديثة، والأنماط السلوكية المعقدة، وأدوات القياس الدقيقة.


١. التطور التاريخي ومفهوم "مستوى التحمل" (Historical Context & Tolerance Level)

بدأت الكتابات حول سلوك الطفل في عيادة الأسنان بمسارين: اقتراح تقنيات "الاحتواء"، والتأكيد على الحاجة للمعرفة النفسية.

  1. حقبة الثلاثينيات (المرحلة الوصفية): بدأت المحاولات لتقييم ردود الفعل، وظهرت تصنيفات مبكرة تعتمد على الملاحظة:
  2. تصنيف ويلسون (Wilson, 1933): حدد أربع فئات للسلوك: (عادي أو جريء، خجول، هيستيري، ومتمرد).
  3. تصنيف ساندز (Sands, 1933): ركز على السمات الشخصية والجسدية وصنفهم إلى خمسة أنواع: (الحساس أو المتيقظ، العصبي، الخائف، الضعيف جسدياً، والعنيد).
  4. حقبة الستينيات وما بعدها: بدأت الدراسات المنضبطة المعتمدة على البيانات (Data-seeking investigations) في الظهور، وصولاً إلى الوضع الحالي الذي يركز على "الطب القائم على الأدلة" والتجارب الإكلينيكية العشوائية (Roberts et al. 2010).

من المفاهيم الجوهرية التي من المهم تسليط الضوء عليها هو "مستوى تحمل الطبيب" (Tolerance Level) الذي وصفه "رايت" (1975). هذا المفهوم يفسر التباين في الأنظمة الوصفية؛ حيث يختلف الأطباء في قدرتهم على تحمل سلوكيات معينة، مما يؤثر على تصنيفهم للطفل كـ "متعاون" أو "غير متعاون"، وبالتالي يؤثر على اختيارهم لتقنيات الإدارة.


٢. أنظمة التصنيف المعيارية (Standard Classification Systems)

لضمان الدقة في التقييم، تعتمد الممارسة السريرية على نظامين رئيسيين:

أ. مقياس فرانكل (Frankl Behavioral Rating Scale, 1962):

يُعد المعيار الذهبي في الأبحاث السريرية نظراً لموثوقيته العالية (نسبة اتفاق تزيد عن ٨٥٪ بين المراقبين). يقسم السلوك إلى أربع فئات:

  1. سلبي تماماً (Rating 1): رفض للعلاج، بكاء قوي، خوف، أو أي دليل صريح على السلبية المتطرفة.
  2. سلبي (Rating 2): ممانعة للعلاج، عدم تعاون، بعض علامات السلبية (مثل العبوس والانزواء) لكنها ليست حادة.
  3. إيجابي (Rating 3): قبول للعلاج، حذر في بعض الأحيان، رغبة في الامتثال للتوجيهات مع تحفظ.
  4. إيجابي تماماً (Rating 4): علاقة ممتازة مع الطبيب، اهتمام بالإجراءات، وضحك واستمتاع بالموقف.

ب. تصنيف رايت الوظيفي (Wright, 1975):

يصنف الأطفال إلى ثلاث فئات رئيسية:

  1. المتعاون (Cooperative): غالبية الأطفال يقعون في هذه الفئة (مسترخون، قلقهم في حده الأدنى).
  2. المفتقر للقدرة على التعاون (Lacking Cooperative Ability): تشمل هذه الفئة الأطفال الصغار جداً (أقل من ٣ سنوات) الذين أسماهم ماكدونالد (1969) بمرحلة "ما قبل التعاون" (Pre-cooperative stage)، بالإضافة إلى الأطفال ذوي الإعاقات المحددة للتواصل. هؤلاء لا يملكون القدرة على التعاون وليسوا رافضين له عمداً.
  3. المتعاون المحتمل (Potentially Cooperative): أطفال يملكون القدرة الإدراكية، لكن السلوك السلبي (الخوف، التحدي، الخجل) يمنعهم. هذه الفئة هي التي يمكن تعديل سلوكها لتصبح متعاونة.


٣. التحليل الدقيق لأنماط السلوك السلبي (Observed Negative Behaviors)

تم تحديد مصطلحات دقيقة لوصف حالات "التعاون المحتمل" التي تظهر سلوكاً سلبياً:

  1. السلوك غير المنضبط (Uncontrolled Behavior): يظهر عادة لدى الأطفال في عمر ٣-٦ سنوات (خاصة في الزيارة الأولى). يتميز بـ "نوبة غضب" (Tantrum) تشمل البكاء العالي، والرفس بالأيدي والأرجل. يعكس هذا السلوك قلقاً حاداً ويرتبط بنمط الشخصية الانبساطية (Extroverted).
  2. السلوك المتحدي (Defiant Behavior): شائع في سن المدرسة. يتميز باستخدام عبارات "لا أريد" أو "لن أفعل". هؤلاء الأطفال غالباً ما يمتلكون تقديراً عالياً للذات (Robust self-esteem) وهم منفتحون في التعبير. يشير النص إلى أن سلوكهم قد يعكس بيئتهم المنزلية (حيث يوصفون بالعنيدين في المنزل أيضاً)، ويتطلب التعامل معهم توجيه سلوكهم ليصبح تعاونياً.
  3. السلوك الخجول (Timid Behavior): أطفال قلقون جداً يميلون للانزواء خلف الوالدين أو تجنب التواصل البصري. إذا تم التعامل معهم باستعجال أو خشونة، قد يتدهور سلوكهم إلى سلوك غير منضبط. يحتاجون لبناء الثقة ببطء وهم عادة ذوو شخصية انطوائية.
  4. المتعاون المتوتر (Tense-Cooperative): مصطلح صاغه لامبشير (1970). هؤلاء الأطفال يقبلون العلاج لكنهم "على الحافة". لغة جسدهم تفضح توترهم الشديد (عيون تلاحق الطبيب، شد قبضة اليد/White knuckles). هؤلاء يسيطرون على مشاعرهم بصعوبة بالغة ويحتاجون لدعم مستمر لتقليل التوتر.
  5. الأنين (Whining): إصدار صوت مستمر ومتحكم به (ليس صراخاً عالياً). يُعتبر آلية للتكيف (Coping mechanism) أو تعبيراً عن الانزعاج والألم. يتطلب من الطبيب صبراً كبيراً للسماح باستمرار العلاج رغم الصوت المزعج.
  6. المقاومة السلبية (Passive Resistance): أسلوب تكيف يظهر غالباً عند المراهقين. يتمثل في تجاهل الطبيب، ورفض التواصل اللفظي، وربما إطباق الأسنان بقوة (Clenching). يعكس هذا السلوك شعوراً بفقدان الاستقلالية أو الاعتراض على إحضارهم للعيادة.


٤. القياس النفسي للخوف والقلق (Psychometric Assessment)

لتقييم الخوف بدقة موضوعية، يُستخدم مقياس خوف الأطفال (CFSS-DS) المطور من قبل كثبرت وميلاميد (1982). يتكون المقياس من ١٥ بنداً (مثل الحقن، المثقاب، الاختناق، لمس الغرباء)، ويُقيم كل بند من ١ (غير خائف) إلى ٥ (خائف جداً).

تفسير الدرجات وفقاً للدراسات (ten Berge, 2001):

  1. أقل من ٣١: مستوى قلق منخفض (لا يوجد قلق سني).
  2. ٣١ - ٣٩: منطقة "خطر" أو قلق حدودي (Borderline). هؤلاء الأطفال قلقون لكنهم ليسوا منسحبين تماماً، وهم الفئة الأهم لمنع تطور مشاكل سلوكية خطيرة.
  3. أعلى من ٣٩: قلق سني مؤكد (High Anxiety) ويحتاجون لبروتوكولات خاصة.

ملاحظة حول دقة التقييم: أشارت دراسة كريكين (2013) إلى أن الوالدين يقيمون مخاوف أطفالهم بدقة عالية مقارنة بتقييم الأطفال لأنفسهم، مما يجعل سؤال الوالدين أداة تشخيصية موثوقة. بالنسبة للأطفال الصغار الذين لا يستطيعون القراءة، تُستخدم المقاييس البصرية (وجوه تتدرج من السعادة إلى الحزن) وهي فعالة جداً (Venham et al. 1977).


٥. العوامل المؤثرة على السلوك (Influencing Factors)

تتأثر استجابة الطفل بعدة عوامل رئيسية تم توثيقها في الأدبيات الطبيّة:

  1. المزاج الفطري (Temperament): منذ الخمسينيات، أدرك العلم أن العديد من الميول السلوكية فطرية وليست مكتسبة أو نتاج "سوء تربية". هذا الإدراك مهم جداً لفهم استجابات الطفل الصحية.
  2. التاريخ الطبي (Medical History): جودة الزيارات الطبية السابقة مهمة جداً. الألم السابق غير المعالج يرتبط بشكل ثابت بسوء السلوك المستقبلي (Bailey et al. 1973; Wright 1975).
  3. قلق الأم (Maternal Anxiety): وُجد تاريخياً ارتباط بين قلق الأم وعدم تعاون الطفل (Dahlander et al. 2019)، رغم أن بعض الدراسات الحديثة لم تجد هذا الرابط قوياً في جميع الحالات.
  4. الحاجة للعلاج: وجود مشاكل سنية (ألم/تسوس) يزيد من احتمالية ارتفاع القلق (Wright and Alpern 1971).
  5. المرجعية الاجتماعية (Social Referencing): يعتمد الأطفال (خاصة الرضع وصغار السن) على قراءة تعابير وجوه والديهم لتنظيم سلوكهم تجاه المواقف الغريبة (Moller et al. 2014). إذا أظهر الوالد قلقاً، سيفسر الطفل الموقف على أنه غير آمن.